يستعرض الباحث داغيم يوهانس في هذا المقال الدور الذي لعبته مصر في التحولات السياسية الكبرى بالسودان، ويجادل بأن القاهرة لم تكتفِ بمراقبة الانقلابات العسكرية، بل استفادت من الانقسامات الداخلية السودانية وسعت إلى توجيه مسار السلطة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها أمن الحدود وقضية مياه النيل.
ويشير موقع هورن ريفيو إلى أن العلاقة بين مصر والسودان اتسمت طوال العقود الماضية بعدم التوازن، إذ دفعت حاجة القاهرة المتزايدة إلى تأمين حصتها من مياه النيل نحو دعم أنظمة عسكرية أكثر قابلية للتنسيق معها مقارنة بالحكومات المدنية المستقلة. ويرى التقرير أن هذا النمط أسهم في تعميق هشاشة الدولة السودانية وأثر في مسارها السياسي حتى وصولها إلى الحرب الأهلية الحالية.
النفوذ المصري وانقلاب جعفر نميري
شهد السودان في مايو 1969 انقلابًا قاده العقيد جعفر نميري ومجموعة من الضباط الذين استلهموا تجربة الضباط الأحرار في مصر. وجاء الانقلاب في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصراعات داخلية عجزت الحكومة المدنية عن احتوائها.
وسرعان ما تبنى نميري توجهات قومية عربية قريبة من أفكار الديكتاتور المصري جمال عبد الناصر، فعزز علاقاته مع القاهرة وطرابلس، وطبق سياسات اقتصادية مستوحاة من الاشتراكية العربية. كما دعمت مصر النظام الجديد سياسيًا وأمنيًا، خاصة خلال المحاولات الانقلابية التي واجهها لاحقًا.
ويرى الكاتب أن النفوذ المصري سبق انقلاب نميري بسنوات، إذ ساهمت الروابط العسكرية والتدريب المشترك والشبكات القومية العربية في ترسيخ توجهات مؤيدة للقاهرة داخل المؤسسة العسكرية السودانية. كما عزز اتفاق مياه النيل لعام 1959، الذي أُبرم في عهد الحكم العسكري، هيمنة مصر على إدارة موارد النهر ورسخ مصالحها الاستراتيجية في السودان.
انقلاب البرهان وتنسيق ما قبل الاستيلاء على السلطة
يقدم المقال أدلة يعتبرها أكثر وضوحًا بشأن الدور المصري في انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 الذي قاده الفريق عبد الفتاح البرهان ضد الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك.
ووفقًا للتقرير، أجرى رئيس المخابرات المصرية عباس كامل لقاءات مع البرهان قبل الانقلاب، وعبر عن اعتراض القاهرة على مواقف حمدوك المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي والعلاقات الإقليمية. كما زار البرهان القاهرة سرًا قبيل التحرك العسكري للحصول على دعم سياسي من رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.
وبعد استيلاء الجيش على السلطة، امتنعت مصر عن إدانة الخطوة، وسعت إلى تعزيز شرعية القيادة العسكرية الجديدة. ويعزو الكاتب هذا الموقف إلى العلاقات الوثيقة التي تربط البرهان بالمؤسسة العسكرية المصرية، إضافة إلى المصالح المشتركة المرتبطة بأمن الحدود وملف مياه النيل.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عام 2023، واصلت القاهرة دعم الجيش السوداني باعتباره الشريك الأكثر انسجامًا مع رؤيتها للأمن الإقليمي والاستقرار السياسي.
النيل والصراع على النفوذ الإقليمي
يضع المقال قضية مياه النيل في قلب العلاقة بين البلدين، إذ يعتبر أن القاهرة تنظر إلى السودان بوصفه عمقًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن أمنها المائي. ويرى الكاتب أن الحكومات المدنية السودانية أبدت أحيانًا استعدادًا أكبر لإعادة النظر في ترتيبات إدارة النهر والتعاون مع دول المنبع، بينما فضلت الأنظمة العسكرية المحافظة على التفاهمات التقليدية مع مصر.
كما يشير إلى أن الخلافات المرتبطة بمنطقة حلايب وشلاتين، إلى جانب التنافس حول الموارد والنفوذ الإقليمي، غذّت مشاعر الاستياء داخل قطاعات من الرأي العام السوداني.
ويؤكد الكاتب أن الأزمات السودانية لا يمكن تفسيرها فقط عبر التدخلات الخارجية، إذ لعبت الانقسامات السياسية والصراعات الاقتصادية والإثنية أدوارًا رئيسية في زعزعة الاستقرار. لكنه يرى في الوقت ذاته أن القاهرة استفادت مرارًا من هذه الانقسامات وعملت على توظيفها لتعزيز نفوذها.
ويخلص المقال إلى أن تحقيق الاستقرار في السودان يتطلب بناء توازن جديد بين السلطة المدنية والعسكرية، ومعالجة الخلافات المتعلقة بمياه النيل، وتقليص تأثير التدخلات الخارجية. ويحذر من أن استمرار الأنماط القديمة من النفوذ الإقليمي قد يبقي السودان عالقًا في دوامة الانقلابات والصراعات المسلحة، ويحد من قدرته على بناء دولة مستقلة ومستقرة.
https://hornreview.org/2026/06/09/engineering-power-transitions-egypts-plot-in-sudans-1969-and-2021-coups/

